ابن الأثير
463
الكامل في التاريخ
أخذوها من التجار بحالها في الشّذوات ، هذا سوى ما كانوا قد حلّوه وفصلوه ، فلمّا فرغ عاد إلى تبريز . ذكر الصلح بين المعظّم والأشرف نبتدئ بذكر سبب الاختلاف ، فنقول : لمّا توفّي الملك العادل أبو بكر ابن أيّوب ، اتّفق أولاده الملوك بعده اتّفاقا حسنا ، وهم : الملك الكامل محمّد ، صاحب مصر ، والملك المعظّم عيسى ، صاحب دمشق ، والملك الأشرف موسى ، وهو صاحب ديار الجزيرة وخلاط ، واجتمعت كلمتهم على دفع الفرنج عن الديار المصريّة . ولمّا رحل الكامل عن دمياط لمّا كان الفرنج يحصرونها ، صادفه أخوه المعظّم من الغد ، وقويت نفسه ، وثبت قدمه ، ولولا ذلك لكان الأمر عظيما ، وقد ذكرنا ذلك مفصّلا ، ثمّ إنّه عاد من مصر وسار إلى أخيه الأشرف ببلاد الجزيرة مرّتين يستنجده على الفرنج ، ويحثّه على مساعدة أخيهما الكامل ، ولم يزل به حتّى أخذه وسار إلى مصر ، وأزالوا الفرنج عن الديار المصريّة ، كما ذكرناه قبل ، فكان اتّفاقهم على الفرنج سببا لحفظ بلاد الإسلام ، وسرّ الناس أجمعون بذلك . فلمّا فارق الفرنج مصر وعاد كلّ من الملوك أولاد العادل إلى بلده بقوا كذلك يسيرا ، ثمّ سار الأشرف إلى أخيه الكامل بمصر ، فاجتاز بأخيه المعظّم بدمشق ، فلم يستصحبه معه ، وأطال المقام بمصر ، فلا شكّ أنّ المعظّم ساءه ذلك . ثمّ إنّ المعظّم سار إلى مدينة حماة وحصرها ، فأرسل إليه أخواه من مصر ورحّلاه عنها كارها ، فازداد نفورا ، وقيل : إنّه نقل إليه عنهما أنّهما اتّفقا عليه ، واللَّه أعلم بذلك .